Search This Blog

Saturday, November 07, 2009

IRAK!: Wathab saadi


العراق

الخلاص من آفات الطبقة السياسية الحاكمة وبناء دولة المواطنة

انتقل العراق في 2003 من هيمنة نظام دكتاتوري موغل في معاملة المواطنين كقطيع من الرعايا لا حول ولا قوة لهم يسحقهم كل يوم بالته الارهابية القمعية ويمعن في افقارهم، وهدم كل مرافق الحياة العامة والخاصة، ولم يترك فسحة للامل لدى المواطنين، بل ملاء السجون وسفك الدماء وفرض التراجع والتخلف على كل مظاهر الحياة في البلاد. ونتيجة اصراره الى النهاية على التمسك بالسلطة، ادى صدام بسياساته الهوجاء الى فسح المجال امام قوى الحرب الاميركية لاحتلال العراق وهدم ما تبقى من الدولة العراقية المنخورة.
وقوع العراق تحت الاحتلال بهذه الطريقة، وهيمنة القوى الاجنبية على القرارات الرئيسية، وتعطيل اجهزة الدولة، فاقم من الأزمات التي كانت تعصف بالبلاد، واضاف لها مشاكل اساسية جديدة، كفقدان الامن وتعطل معظم الخدمات العامة من الكهرباء والنقل والماء والاتصالات وغيرها.
هذه العوامل فسحت المجال لقوى الارهاب والتطرف الدموية، وللمليشيات المختلفة، ولبقايا اجهزة الدمار الصدامي، لسفح دماء العراقيين، تحت مختلف الحجج والادعاءات، ولكنها تشترك جميعا بارتكاب افظع الجرائم ضد العراقيين دون تمييز.
في ذات الوقت، ورغم كل الصعوبات، فتح انهيار النظام الدكتاتوري آفاقا واسعة للتطور الانساني والمادي، وإمكانية السير نحو الديمقراطية.
ولكن على العكس من ذلك لجأت القوى الطائفية من كل صوب الى فرض نظام محاصصة مقيت نخر المجتمع نخرا وحوله الى ملل وجماعات متناحرة او متنافسة على اقتسام ثروات هذا البلد دون اية التفاتة الى شعبه وابناءه. وساهم هذا النظام المتخلف في فرش الارض لقوى الارهاب الاجرامي والمليشيات وفي تعطيل بناء الدولة وخصوصا اجهزتها الامنية لانها ملئت بابناء المحاصصة ومريدي الامراء الجدد، والوسطاء في الصفقات، وكانما صفات النزاهة والكفاءة والمواطنة هي مواصفات اعداء القادة الجدد.
هؤلاء القادة، ابطال المحاصصة بكل مفاصلها، لم يدعوا امتيازا لم يضفوه على انفسهم كانهم غزاة جاؤوا من بعيد، يغدقون ما يمكن الحصول عليه بانتظار الرحيل.
فهل يعقل في أي بلد في العالم ان يهتم النواب اولا بتقرير تقاعد هائل لهم ومنح عوائلهم جوازات سفر دبلوماسية واستيلائهم على مخصصات لا تطاق في بلد يتضور جوعا ويبكي الما تحت سياط الارهاب.
وهل يجوز ان يملاء المسؤولون مكاتبهم بذوي القربى والحزبيين والموالين في حين يحتاج البلد الى الكفاءات والاخلاص والنزاهة ليخرج من محنته.
واذا سلمنا بان هناك تطورا حقيقيا في مجالات متعددة، ورغم الحلول التي وجدت للبعض من المسائل، فان المشاكل الرئيسية الأخرى لا زالت مستشرية، وغالبية المجتمع يعاني من مشاكل جمة
العراق بلد غني ولديه امكانيات بشرية كبيرة فليس من المعقول الا يتقدم. ما هو مثير للتساؤلات الكبيرة هو ضعف وبطأ او حتى انعدام هذا التقدم في مجالات جمة، لم تصل ايادي الة الدولة اليها رغم توفر الامكانيات على الاقل نظريا. ما هو السبب.
حل هذه المشاكل يحتاج إلى إدراك عميق لأسباب الأزمة، والى معالجة شاملة لمسببات وأصول العطل الذي أصاب مختلف مرافق الحياة العامة.
ولكن الحلول لا تأتي من جماعة معطلة بذاتها لا تسعى الى الصالح العام.
سنسوق مثلا واحدا. طالما تذرع المسؤولون بالارهاب لعدم وجود الكهرباء. ولكن توقف الهجمات الارهابية على هذه المرافق منذ اكثر من سنتين كشف علنا انهم يكذبون على الجميع.
لقد أصبح جليا أمام المواطنين تقاعس وضعف قدرة الحكومة الحالية على إدارة شؤون البلاد وتوفير المستلزمات الأساسية للمواطنين وحل مشاكلهم الرئيسية وعلى رأسها مشكلة البطالة والفقر وقصور الخدمات العامة كالكهرباء والماء والتطبيب والتعليم، ويعزز من هذا العطل سلوك قوات الاحتلال، التي غادرت ولم تغادر المدن.
هذه الحكومة التي تعيش بقضها وقضيضها (عدا بعض الاستثناءات النادرة) خارج المجتمع العراقي خلف جدران من الاسمنت المسلح، وعشرات البنادق المشرعة لحماية هذا المسؤول الرفيع او ذاك ، تركت المجتمع العراقي لقمة سائغة للارهاب والمليشيات وعصابات الاختطاف والجريمة المنظمة وغير المنظمة، وانتظرت ان ينخفض معدل الجرائم لتصول وتجول، تهنأ نفسها بالانتصار، على ماذا؟ أقادسية صدامية اخرى؟ تلك التي خرج منها بعد ان نزع كل ملابسه ونياشينه ليخبرنا بانه انتصر في الحرب.
واذا لم نسامح صدام وعصابته ولم يسامحه الشعب العراقي، فلماذا نسامح من ترك العراق ساحة للمجازر واهدر المال العام، وجعل من الثروات الكبيرة التي توفرت للعراق خلال الفترة الماضية فيئا للحاكمين ومن حولهم.
هذه القوى الحاكمة تهمل بشكل متعمد ومقصود الشباب الذين يشكلون الاكثرية في هذا البلد. فهي تعمل على الاغراء ببعضهم وابعاد الغالبية العظمى عن المشاركة في القرارات واولها المساهمة الجدية في الانتخابات.
غالبية هذه الجماعات الحاكمة تعتبر ان ايديولوجيتها وايمانها لا يكتمل الا باظطهاد المرأة واعادتها الى الكهوف والغرف المنسية. فحرية المراة وبال عليهم وخصمهم اللدود. وليسوا اول فصيل ظلامي في تاريخ الامم.
حقوق الانسان اهدرت فقتل مئات المواطنين، وسجن الكثير بدون وجه حق او لمجرد ابتزازهم وجرى تعذيب البعض الاخر بينما نرى بعض الارهابيين والمجرمين احرارا بسبب صفقة ما او مبلغ لا يعز عليهم دفعه.
ان تكرار هذه التجربة الاليمة والمؤلمة وعودة نفس القوى والوجوه الحالية الى دفة السلطة سيرهن مستقبل العراق لفترة طويلة وسيفرغه من اماله ومن شبابه، حملة الامل المستقبلي.
الانتخابات القادمة مكلفة بانتخاب مجلس نواب ينهي التعديلات على الدستور. ويختار حكومة تنجز مراحل تحقيق استقلال العراق وإجلاء القوات الأجنبية تماما، وبناء الأسس الضرورية للانتقال إلى مجتمع ديمقراطي حر عصري ومستقل. وإرساء الأسس اللازمة للإجابة على مطالب وحاجات المواطنين المباشرة واليومية.
ومن المسائل المهمة التي ستضطلع بها الجمعية الوطنية القادمة، هو حل القضية القومية في العراق والإجابة بشكل صحيح على المطامح القومية لمختلف القوميات التي تكون الشعب العراقي. وذلك على أساس النظام الاتحادي (الفدرالي) والتوصل إلى حل صحيح لمسالة كركوك والإجابة على دور الدين وضرورة الفصل بين الدين والدولة ومسائل النظام الاقتصادي والسياسي في العراق القادم.
التوصل إلى مفاهيم مشتركة مع الغالبية واقتراح حلول معقولة تحظى برضا الأكثرية هو الشرط الأساسي لنقل هذه الحلول إلى صعيد التطبيق، وتضمن حقوق الجميع وتؤمن انطلاقا من ذلك، ديمومة الدولة باعتبارها تعبيرا عن مصالح وتوجهات الأمة.
مشروع العراق هذا يتطلب مساهمة كل من يريد حمل هذا المشروع المستقبلي للعراق، ولهم القدرة للدفاع عن مصالح المواطنين الحقيقية.
إذن المحور الرئيسي لهذا التوجه"هو نهوض تحرك ينمو في خضم عملية بناء مشروع للعراق، يجعل من المشروع لحمة الاتفاق وليس من مصالح أطرافه الآنية. ويجعل من الارتقاء بالمشروع وعمله مع المواطنين ومن ثم العمل لوضعه موضع التطبيق سبب وجود الكتلة ومصدر حياتها ويعزز من ثقة المواطنين، أصحاب القضية الأساسيين، بها.
مستقبل العراق يفرض على مجلس النواب القادم تعديل الدستور الدائم، لتصبح فكرة المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، بتحقيق المطالب الأساسية لمكونات الشعب العراقي والالتفات إلى مصالح المواطنين، هي الأساس في فعل الدولة ومؤسساتها المختلفة.
واذا اقرت اكثرية المواطنين العراقيين ان الانتخابات هي شرط أساسي للانتقال إلى نظام شرعي مستقر يفتح الآفاق أمام الانتقال إلى الديمقراطية، فاختيار حكومة تعمل من اجل تحقيق الاستقلال الوطني، وقادرة على حل مشاكلهم الملحة، هو في قدرتهم وفي متناول ايديهم.
يرتبط المشروع السياسي بهدف توسيع رقعة المشاركين في الانتخابات، وتوسيع دائرة إدانة الإرهاب والعنف، والنضال الواسع ضد نظام المحاصصة المقيت باعتبارها العوائق الرئيسية امام استقرار البلاد وتقدمها. هذا المشروع السياسي يقتضي إجراءات تتعلق بالحكومة وصلاحيات المؤسسات المختلفة. ومحاسبة جميع المسؤولين عن اهدار المال العام وخراب الدولة، واستعادة جميع الاموال التي استولى عليها المسؤولون تحت عناوين المخصصات والامتيازات والغاء جميع القوانين الخاصة كقوانين تقاعد النواب والوزراء والمستشارين وحاشية رؤوس السلطة التي تخرق جميع قواعد المساواة بين المواطنين.
هذا المشروع يحتاج إلى إسهام جميع القوى التي ترى بان مستقبل البلاد وإنهاء الاحتلال وحل المشاكل المعاشية للمواطنين يقتضي مشاركة الجميع في هذا الجهد الكبير.
د. وثاب داود السعدي
جريدة المدى
يوم 26/10/2009

No comments: