Search This Blog

Thursday, December 27, 2012

Ahmed Bouazzi:أهمية التعليم في سياسة الدولة

أهمية التعليم في سياسة الدولة
بقلم د. أحمد بوعزّي٭

لئن كان التعليم يوفّر للدولة التونسية الفتية إطاراتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي فقدْ فقدَ هذا الدور في القرن الواحد والعشرين، لأن كمية المتخرّجين أصبحت أكثر بكثير من إمكانية استيعاب الوظيفة العمومية لهم من جهة ولأن تكوين إطارات ذات معرفة وثقافة عامة وقدرة على العمل لتحمّل مسؤولية التخطيط والبحث والتطوير لم يكن من أهداف حكومات النظام النوفمبري الذي حكم من 1987 لمدة ثلاث وعشرين سنة، وأصبح الانتداب في الوظيفة العمومية في عهده يقع بالواسطة وبعد "الفرز الأمني" لإقصاء المعارضين لبن علي.

لم تفتح الدولة أي كلية للتربية لتكوين إطارات للتدريس تفكّر وتُصلح وتحيّن برامج التعليم، فُتحت فقط معاهد لتكوين المعلّمين ثمّ أغلقت في النهاية، وكانت الدولة تنتدب منذ الستينات جزءا من المعلمين والأساتذة غير مكَوَّنين وغير مؤهَّلين في أغلب المواد أو مجازين في مادة أخرى وحتى بعد إحداث مناظرة الكبّاس في نهاية التسعينات فإن التعتيم على نتائجها وخضوع نتائجها للفرز الأمني جعلها مشكوكا في أمرها، وكان هدف المناظرة أساسا هو حل ترقيعي للاستجابة للعدد المهول للمترشّحين، ورغم عدالة الفكرة لو لم يقع الشك في نزاهتها فإن الناس كرهوها لقلة عدد الخطط الشاغرة كل سنة، ولم تجد الحكومة الانتقالية الثانية (عهد الباجي قايد السبسي والطيب البكوش) من حل غير انتداب المدرّسين على أساس اجتماعي بحت ودون تكوين في ميدان التعلّمية ممّا سيزيد من انحطاط مستوى المتخرجين من التعليم الحكومي في المستقبل.

إن التعليم هو أهم ميدان في سياسة أي دولة بعد إنجاز الاستقلال السياسي، إذ هو يؤثر في كل الميادين الأخرى، فهو الذي يكوّن أصحاب القرار وكل الإطارات في كل الوزارات، فإذا ارتفع مستوى المتخرجين من التعليم فإن مستوى الخدمات سيتحسّن في كل الميادين الأخرى وإذا انهار مستوى التعليم فإن الاقتصاد والصحة والأمن والعدالة والخدمات والمرافق العمومية ستفقد فاعليتها ويصبح العيش غير مستطاب في البلاد بأسرها. والمدرسة هي التي تكوّن المواطن وتصقل أخلاقه وتصرفاته وعلاقته مع المجتمع، فإن فشلت في ذلك فإن العلاقات الاجتماعية والسياسية تنهار وينتشر العنف والجريمة. وبالتالي فالمدرسة هي أهم ركيزة في اهتمام أي حكومة ناجحة وفعّالة.

نحن في عصر ينعته كثيرون بعصر تصادم الحضارات يجد فيه كل شعب نفسه مدعوا إلى حماية بلاده وأفراده من السيطرة والاستعباد والتبعية ولا يمكن لتلك الحماية أن تكون فعّالة إذا لم يخلق مدرسة ذات أهداف واضحة لفائدة البلاد والأفراد وذات جودة عالية تمكّن النشء من المعرفة والمهارات لتواجه تحدّيات العولمة.

إن التواصل بين الدولة والمواطن يمرّ عبر وسائل الإعلام وعبر نشر القوانين والمناشير الحكومية وكل ذلك يستعمل وسائل التعبير وأولها اللغة، ولذلك فإن أول أهداف المدرسة هي تمكين الشاب – أيْ مُواطن المستقبل – من  وسيلة لغوية موحّدة بين المواطنين للتعبير الشفوي والكتابي حتى يتمكّن من إيصال آرائه وأفكاره ومواقفه إلى العموم وإلى الدولة بالخصوص ليفيدها وليحمي نفسه منها. والتعبير الكتابي والشفوي الموحّد واستعمال المصطلحات الموحّدة يصلح كذلك في الميادين الاقتصادية أي في مواقع الانتاج الصناعي، وفي الميادين الاجتماعية أي في الإدارات والأماكن العمومية بصفة عامة. وتلعب اللغة في كل هذا دورا رئيسيا ولهذا يجب أن يكون إقرار أيّ لغة للتدريس ناتج عن دراسة بيداغوجية واجتماعية واقتصادية وبعد استشارة واسعة لدى قوى المجتمع السياسية والمدنية، دون أن يؤثر ذلك سلبيا على التمكّن من اللغات المدروسة الأخرى.

ومن أهم أدوار المدرسة هي توفير الوسائل التي تمكّن المواطن من التعلّم والتكوّن مدى الحياة حتى يستطيع أن يتكيّف مع التطور المتسارع للتكنولوجيا التي تقضي بدورها على حرف قديمة وتبعث حرفا جديدة. كما على المدرسة أن تنزع عادات الخمول والاتكال لتكوّن التلميذ على عقلية الريادة والاستنباط التي بدونها لا يمكن لشعب أن يجد له مكانا محترما بين الشعوب وبذلك فقط يمكن لكل مواطن أن يساهم بصورة فعالة في الاقتصاد ليحسن مردوده في الإنتاج في هذا العصر الذي يتسم بحدّة المنافسة في كل الميادين. والمواطن الذي حصل على تكوين ذي جودة عالية وذي محتوى مدروس يصبح قادرا على حماية نفسه وحماية وطنه والدفاع عنهما، كما يستطيع ان يتمتّع بمواطنة كاملة سواء من حيث الحقوق أو الواجبات.
٭أستاذ جامعي

No comments: